بائعه المناديل. بقلم :الامير عزام

بائعه المناديل. بقلم :الامير عزام
received_432373750498523
بواسطة – آخر تحديث –

كعادتها كل صباح تصلي الفجر ثم تخرج الي الحياة تتصارع معها كي تغتنم منها ما يلبي قناعتها.
(شروق ابنة ) الثانية عشر تسير في الطرقات بقفزاتها المعهودة ؛ تارة تقفزة للهو وأخري كي تتجنب البرك المائية المزاحمة لحارتها.
بوجه مبتسم وإشراقة أمل ؛فرحة بما لديها من حذاء جديد في قدمها كان قديما في قدم غيرها.
حصلت عليه أمس عندما كانت تبحث عن ذاد لها في مقلب للقمامة خارج حارتها في الطريق بين مدرستها ومكان عيشها وإن كنت لا تدري أبيت هو أم نموذج مصغر من مقلب للقمامة ، لكن فرحتها لم تكتمل لوجود خرق في الحذاء.
كالعادة استشارت عقلها فلا يوجد لها سند في دنياها غيره ؛ اب مات في زنزانته أخ أكبر غادر مستنقعهم على أمل في وجود حياة له .واخ ابن سنتان من زوج ام ؛ فلقد تزوجت أمها علي أمل وجود حائط لها تتكئ عليه يوم عجزها لكنها أتت بسقف هار كثير ما إنهار عليهم .
قدحت (شروق) زناد فكرها كيف السبيل الي اصلاح الخرق في الحذاء؟
أجاب (العقل) بصوت هامس غير مسموع:
لابد من مال ؛لكن كيف سنحصل علي المال؟
المصادر كثيرة ومتعددة؛ هناك بائع الجرائد اذهبي إليه قومي بتوزيع الجرائد كالمعتاد وسيمنحك المال.
لكن ذلك سيؤخرني عن ميعاد الدراسة؟
ما رائيك إذن ببائع المناديل .؟
وضعت يديها الخشنة من كثرة العمل تحت ذقنها الناعم ثم حدثت عقلها :
الأمر سيان لا فرق؛ وقت طويل في العمل وأنا أريد مالا في وقت قصير كي لا أتأخر عن ميعاد المدرسة، ما الحل؟
اشار إصبعها إلي عقلها لتخبره
الحل عند السيدة الجميلة (إحسان ) .
سأذهب إليهم مسرعة أجمع قمامتهم وألقيها في مقلب القمامة وأتحصل علي مال منهم إنهم أناس لطفاء يعطونني ببذخ هل تتذكر يوم أن أعطونا عشرين جنيها ؟
نعم أتذكر كان يوما رائعا تمتعنا بهذا المبلغ الضخم طيلة أسبوع كامل.
أذن أسرعي (شروق ) حتي لا نتأخر علي ميعاد المدرسة.
………………………………………………………………………
أسرعت شروق بقفزاتها المعتادة للذهاب لبيت السيدة إحسان .
بيت جميل مكون من عشرة طوابق في كل طابق تعيش فيه أسرة ميسورة الحال .
صعدت السلم ؛وقفت أمام الباب متسمرة وخيبة الأمل تطل من وجهها.
وجدت كيس القمامة معد أمام الباب والباب مغلق
حاورها عقلها من جديد لماذا لا تتقدمين ؟ إنه البيت …!
تقدمي أطرقي الباب ..!
لا استطيع
لما..؟
الوقت مبكر على وقت استيقاظهم
إذن ماذا سنفعل ؟ هذا هو العمل أمام الباب لكن أين نظير العمل؟ أين المال؟
لا أعلم كل ما أعلمه أنه لا يجب علي طرق الباب الأن سيغضبون مني وأنا لا أحب أن يغصب من فعلي أحد من الناس.
ونظير عملنا ؟والحذاء؟ ما الحل أذن؟
أجيب يا صاحبة الأخلاق الرفيعة ..
لا أعلم شيء ولا أنتظر شيء سأحمل الكيس على ظهري كالعادة وأجري سيأتي إلي .
أنني أعمل مع الله وليس خلق الله.
إن الحذاء الذي في قدمي لم يعط اياه أحد بل هو هبة من الله لا تقلق أيها العقل الثرثار سيأتي إلينا الأجر في يوم ما.
حملة القمامة وذهبت لإلقائها في المكان المعتاد .
……………………………………………………………………….
عندما وصلت واقتربت من المكان شاهدت شيء غريب خلف الحائط المتهدم في منتصف الخرابة.
فتاة في العشرين من عمرها في أحضان رجل تناثر الشعر الأبيض في أنحاء كثيرة من رأسه .
انزعجت الفتاة وارتعدت وحاولت أن تغطي الأجزاء الظاهرة من جسدها بأن دعت ملابسها تسقط لتداري خطيئتها .
لكن شروق ابتسمت لهم ؛ظنت أن هذا هو الحب الذي طالما شاهدته في السينما عندما كانت تبيع لروادها ما يسلي أوقاتهم .
أو أنه ما قرأته في الروايات الملقاة علي الرصيف عند بائع الجرائد .
اقترب الرجل من شروق نظر بعينها البريئة المبتسمة إليه ،نظر إلي ملبسها المتسخ البالي وضع يده في جيبه أمسك بيدها وضع بيدها ورقة ماليه ؛مائتان من الجنيهات، ثم تركها وركب في السيارة هو والفتاة من قبله .
أحست شروق بما وضع في يدها تبدل وجهها من ابتسامة كانت تنظر بها لعين الرجل ألي حيرة من فعله
ظن الرجل بأن شروق جزء من هذا المكان ليس جسدا واقفا في وسط القمامة فقط بل عقل وفكر أيضا وبأن ابتسامتها ما هي إلا طلب صريح للمال .
في بادئ الأمر كانت تشعر (شروق) بأن هذا هو الحب لكنها لا تعلم لما أعطيت المال هي تعلم علم اليقين بأن المال يدفع مقابل عمل تري ماذا فعلت لتعطي أو بالأحرى ماذا ستفعل هكذا حدثها عقلها من جديد؟
هل هذا عطاء من الله مقابل ما فعلتيه منذ قليل مع السيدة (إحسان) ؟
أنتظر أيه العقل ؛من هذه الفتاة ؟.
إنها هي نعم هي إنها ابنة السيدة (إحسان) نعم (وداد) ماذا تفعل مع ذلك الرجل ماذا كانا يفعلان لقد تم خطبتها لأبن خالتها منذ أسبوع تقريبا أنا لا أعي شيئا .
هل تعي شيء ايها العقل المقيم في رأسي ؟
رد ،أجب ،لما الصمت ؟لا فائدة منك الأن هل نامت فرائسك ؟
دائما ما تصمت في مثل هذه المواقف ألا يكفيك ما أطعمك إياه ليل نهار ألا يكفيك ما قرأته حتي الأن يا لك من عقل ناكر للجميل …!
إذن هناك خطأ ما ولابد لي من أن أبلغ والدتها بالأمر إن فضلهم عليا كبير
ان صنيعك تعدد اليوم بلا مقابل يا فتاتي الحزينة لكن يبدو أن المقابل أتي إليك قبل لحظات ….!
الأن أجبت عندما يتعلق الأمر بالمال تجيب يا لك من عقل حقير
نظرت شروق الي الورقة المالية التي وضعت في يدها جبرا ثم قالت بصوت مسموع.
ليس لي الحق في هذا المال المتسخ بشرف عائلة لمست منهم خيرا كثيرا.
يبدو بأن عقلي لم يعد يساعدني.
………………………………………………………………………..
ذهبت شروق الى المدرسة وخيبة الأمل تملئ جسدها وعقلها شارد فيما رئته في الصباح لكنها عزمت علي إبلاغ مدام إحسان بفعل ابنتها وإرجاع المال الي وداد .
بعد انتهاء اليوم الدراسي ؛اقتربت من البيت.
تقف سيارة للشرطة بجانب بيتها لحظات وصراخ والدتها قادم من البيت واثنان من افراد الشرطة يسحبون زوج أمها الي العربة .
لا تدري ماذا يحدث ما جرم الأب المزيف ماذا فعل ؟
بابتسامه خفيفة ظهرت بين شفتيها فرحا بمكان فسيح ستجده اليوم بعد اعتقال زوج أمها؛ بوسادة طالما تمنت أن ترتاح فوقها؛ بحضن امها الذي حرمت منه منذ مدة طويله.
لكن الحزن علي بكاء والدتها طغي علي فرحتها..!
بكت لبكاء أمها ذهبت إليها وهي تشكي حصي الأرض علي فراق زوجها احتضنتها قبلة رأسها.
علقت شروق حقيبتها في عصا مثبت في الحائط بعدما أخذت منه ما يكفيها كي تستذكر دروسها حينما تذهب لتبيع المناديل الورقية أمام محطة المترو.
في الطريق أخبرها عقلها بأن عليها أن تذهب الي السيدة إحسان أولا كي تخبرها بما رأته في الصباح من فعل إبانتها ولربما تعطيها أجر صنيع جمع القمامة وربما أكثر بكثير
بالفعل لبت نداء عقلها وذهبت ، وقفت أمام باب الشقة طرقت الباب ، وداد تقف أمامها ما إن رئتها حتي ردت الباب وأغلقته في وجه شروق.
لم تيأس شروق عاودت الطرق ؛الباب فتح من قبل السيدة إحسان
اهلا بك شروق ،أعلم بأنك من حملتي القمامة باكرا فابنتي اتعبتني لمجرد أن اخرجت لك الكيس بجوار الباب كم تمنيت أن تكون وداد في عقلك وذوقك وحسن خلقك انتظري سأحضر لك المال
سيدتي أريد أن أخبرك شيء
تفضلي صغيرتي ماذا تريدين
أرجوك اقتربي من فمي كي تسمع اذنك قولي ولا يسمع غيرك ما اقول
اقتربت إحسان من شروق كي تسمع ما تقول
دقيقة بل أقل قصت على مسمعها ما رأته اليوم ويدها تلمس يد السيدة إحسان لتعطيها ما أعطاها الرجل الورقة المالية.
ثانية وربما أقل وجاء الرد
صفعة علي وجه شروق جعلت جسدها النحيل يصطدم بالجدار وأوراقها المعدة كي تجد لها مكانا في حياة البشر تطايرت علي السلم اللامع المتسخ بانحطاط أخلاق المقيمين بالبيت.
لملمت أوراقها دون الورقة المالية التي لم تستطع أن تستغني عنها يد السيدة إحسان وصوت السيدة قادم من أعلي السلم يتوعدها بأنها لو رأتها مرة أخري بالقرب من بيتها ستقطع رقبتها.
غادرت المكان حاولت أن تذهب ألي بائع المناديل كي تأخذ منه القليل لتبيعهم أمام محطة المترو.
حاولت مرار وتكرار أن تحادث عقلها من جديد تخبره ماذا تفعل أي جرم فعلته ما ذنبها
نعم لدي عقل، نعم متفوقة بدراستي ،نعم عمري قليل لكن واجهت الكثير ولا أبالي أقرأ الأدب واعي مكنونه وأعي كلام محفوظ وطه حسين والعقاد نعم أعلم أنني اعي مالا يفهمه الكثير.
قرأت الكثير والكثير كي يكبر عقلي ليكون مرشدي في ظلمات حياتي بعدما تركني كل نور .
لكنه الأن لا يستجيب لا يعي لا يفهم ماذا فعلت أي ذنب اقترفت
أجب أيها العقل تحدث ما بك صامت الأن
وضعت رأسها بين كفيها جلست تبكي في الطريق .
اجاب عقلها
شروق حبيبتي أفيقي انت عنوان للقوة إن طال بكائك فستدفن أحلامك تحت أقدامك استعيدي عافيتك فالليل الطويل لابد له من صباح حتي وإن أشرقت الشمس من مغربها
ليس لكي إلا الحلم الدراسة التعليم الفكر الثقافة عندها ستردي الصفعة صفعات لكل من أعتقد أن فقرك عورة لابد أن تداريها نسوا بأن سوء الخلق أكبر عورة في حياتهم .
عندها أفاقت مسحت الدمع غادرت المكان بكل عزم سارت نحو حلمها نحو أن تكون نجمة في سماء مظلمة بلا قمر.
ذهبت الى بائع المناديل تبيع وتذاكر تحت أقدام البشر يراها كل عابر يراها من ملبسها من جلستها لكن هل يعتقد احدهم ان القلم الذي في يدها قد يكون يوما صانع للأمل .
تمت
الامير عزام

أترك تعليقا

تعليقا