إيكادوللي … قصة قصيرة بقلم … هدى الشريف

إيكادوللي … قصة قصيرة بقلم  … هدى الشريف
بواسطة – آخر تحديث –

واتجه إلي أحد أعمدة المعابد التي تزين ضفاف نهر النيل وتتوج شموخه ، وتنقش علي مياهه العذبة أروع ماسطره الإنسان من عراقة

سند ظهره ليتلمس تعويذة دفء تتوغل في مساماته لتداوي آلام سنين تتلوي في جذوع أحشاءه .شاخصا في رسومات أحد الأعمدة وكأنها تخبره عن حكايات لم تروي بعد وطلاسم لم يفك شفرتها أحد .. و نهر غسل نفوس من شيدوها وعن نحات قرر أن يفرد علي وجه الأحجار الصماء بأصابعه قلب الأوراق المطوية لتصبح سير تروي أبد الدهر .

 

ذلك المعبد الذي طالما حج إليه السياح والوافدين من أنحاء الدنيا خاشعين قد احنوا الجباه تقديرا لعظمة من شيدوه..

مرت أمامه فلوكة صديقه عابره النهر .. إلي الضفة الأخرى ” الجزيرة ” لتقل أبناء النوبة القاطنين حول الضفاف كأشجار سامقه دبت جذورها في عمق الأرض.

أرتاح بالها حين أطمئنت أنها سوف تنال شرف البقاء للأبد في أرض الشمس . رغم لوعتها علي ترك أرض السد . .ارتضت ان تصبح بالقرب من المعابد وفي المناطق المطلة علي السماء .

لا يفوت عاما دون ان يكون في حضرة هذاالمكان ..ينتظر لحظة الغروب ليحمل أوجاع روحه ويتوجه إلي المعبد كفارس جريح يستجدي البوح علي هدير الصمت .

 

حتي إن دخل الليل واسدل ستائره ليفتح بوابات الشوق للقمر المرتدي عباءته الفضيه استجمع حنينه وذهب ليفترش ذكرياته .

ناظرا لحبات اللؤلؤ المعلقة في الأفق تطوف حول أيامه . عابرة به مرة أخري نحو تلك القرية التي شهدت لحظات مخاض أول خفقات القلب .

وفي أروقة المعابد التي ظللت اعمدتها عليه تضمد جراحة التي اسخنتها أعراف وقوانين لم يستطع يوما أن يتحداها .

انتزعت التقاليد من بين احضانه عيون فتاته النوبية وأريج عطرها الذي تناثر ليملأ فضاء صدره الذي مازال يرفض أن يستنشق غيره أو تحتضن أنفاسه سواه .

جلس يحتفل وحيدا بميلاد حبه الأول وتذكر ليله “حنه”صديقه حين رأها وهي ترقص “الاراجيد” في طقس ورثته عن قبيلتها لايشبهه طقس .

يوم “الكوفرية” واستقبال “الحنانه” كان طقس متوارث لا تتم فرحة القبيلة ولا تكتمل بدونه فرحة العروس ورفيقاتها . حيث تبدأ أصابعها البارعة التي تشبه أصابع نحات أعمدة المعبد بنقش جسد العروس ثم كفوف فتيات ونساء القبيلة وكل المدعوات من القبائل الأخري

 

كان مشدوها يسبقه قلبه ينظر إلي فراشات الحنه التي تتطاير من كفوف حبيبته لتزين سماء عينيه وترتل علي أهدابها مع انغام تلك الموسيقي المنبعثة من إيقاعات الدفوف لتدور وتراقص جدائلها التي تدلت من تحت “التوب النوبي “الذي التف حول قوامها كحارس لايسمح للعيون اقتحام جسدها المرمري .

لمحها تبث الحياة عبر الابتسامات المطلة من ثغرها .كأنهار تغسل القلوب و تحييها من جديد .

القت اليه بإبتسامة اختصته بها وحده دون سواه تصاحبها سهام انطلقت عبر نظرة من عينيها الحوراء . تعالت معها صيحات قلبه وتبعثرت  تشق سكون صدره وتكسر نصال حراسه .علي دقات دفوف تأبي أن ترتد إلي ضلوعه قبل أن تفترش الأرض تحت قدميها طالبة الود.

لم يدرك حين شاهد جوهرة النيل انه “جورباتي” وان حظه العاثر حين ألقت جيوش عينيها القبض عليه انه لم يكن من ابناء قبيلتها .لن يشفع له انه من ابناء تلك المدينة السمراء ايضا “اسوان”

ان زواجه من جنيات النهر ربما كان أيسر من إختراق قوانين .”أهل النوبة ” وتقاليدهم التي لايسمحون بتجاوزها مهما كان الأمر رغم طيبتهم الا ان شريعتهم غير قابلة للمس او اللمس . وأنه بانتهاء طقوس “الكوفريه ” ربما لن يراها للأبد .وأيقن أن “البريجار” أصبح مستحيل وتمني أن يتوقف الزمن في تلك اللحظة وإلا ينتهي العرس .

كيف يستطيع أن يقاوم إمبراطورية كوش الكبري التي سنت قوانين اعتبروها آخر حصون دفاعهم وحفاظهم علي هويتهم ..كيف يذوب ذلك الجليد المتجمد منذ ثلاثة آلاف عام اويزيد .

 

لم يكن يمنعه عنها إلا الموت ..قرر ان يتمرد علي تلك القوانين وأن يدافع عن ذلك الوليد الذي يحمله داخل الصدر لم تكن تلك الإبتسامه التي اختصته بها سوي رسولا يقاوم به اليأس ………ظل يتابعها…

ذات يوم دبر لهما القدرلقاء داخل المعبد . لكنها لم تكن تملك بين طيات قلبها الا الطاعة وإن كانت جوراحها قد رقت له .كما شهدت عينيها فيضان غامر..كفيضان النهر الذي اجتاح النوبة واجبرهم علي فراق الارض بعد معاناة التهجير .

 

لم تكن تستطيع ان تتمرد علي قوانين. قبيلتها ,قالت حين تحدثت اليه لاول مره …… لن اكون خنجر يمزق صك قوانين عائلتي ..فليشهد ذلك المعبد علي اني لست لك . وان خفقات القلب لك .

حمل رفاته عائدا عبر النهر. بتلك الفلوكة الصغيرة التي شابت من هول حزنها عليه . استسلم لقدره وقرر ان يهب نفسه لتلك المعابد .

ومرت الأعوام

وكلما سمع انه علي الجزيرة عرس ذهب اليه باحثا عنها في عيون كل فتاة سمراء .لكن ابدا لم يكن يجدها الا في أحلامه وبين رواق المعبد حين همست له وهي تودعه

…ايكادولي…

تمت

 

أترك تعليقا

تعليقا